نخبة من الأكاديميين

912

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

وتعتبر بها الأقيسة لم تكن حينئذٍ ظاهرة في الملة ، ولو ظهر منها بعض الشيء فلم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة ، فكانت مهجورة عندهم لذلك . ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني من أئمة الأشعرية إمام الحرمين أبو المعالي ، فأملى في الطريقة كتاب " الشامل " ، وأوسع القول فيه . ثم لخصه في كتاب " الإرشاد " ، واتخذه الناس إماماً لعقائدهم . ثم انتشر من بعد ذلك علم المنطق في الملة . وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط يسبر به الأدلة منها كما يسبر من سواها . ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدتهم إلى ذلك . وربما أن كثيراً منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات . فلما سبروها بمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله كما صار إليه القاضي فصارت هذه الطريقة في مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى ، وتسمى طريقة المتأخرين . " وهكذا يفسر ابن خلدون دخول علم المنطق في المسار الكلامي ، ويشرح بدايات " طريقة المتأخرين " ، حسب مصطلحه ، ويضيف قائلًا : " . . . وبما أدخلوا فيها الرد على الفلاسفة في ما خالفوا فيه من العقائد الإيمانية وجعلوهم من خصوم العقائد لتناسب الكثير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم . وأول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي رحمه الله وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة اقتفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم . ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيهما واحداً من اشتباه المسائل فيهما . واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته وهو نوع استدلالهم غالباً . فالجسم الطبيعي الذي ينظر فيه الفيلسوف في الطبيعيات هو بعض من هذه الكائنات . إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل . وكذا نظر الفيلسوف في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته ، ونظر المتكلم في الوجود من حيث إنه يدل على الموجود . وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزال الشكوك والشبه عن تلك العقائد . وإذا تأملت حال الفن في حدوثه وكيف تدرج كلام الناس فيه صدراً بعد صدر وكلهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والأدلة علمت حينئذٍ ما قررناه لك في موضوع الفن وأنه لا يعدوه . " دور الغزالي في علم الكلام هذا التفسير لمسارات علم الكلام ، وخاصة الكلام الأشعري يعتبر تفسيراً مهماً وإن كانت هناك مآخذ على قسم من تفسيره ، مثل ما أكده حول دور الباقلاني في نظرية الجوهر والأعراض ، فمن المعروف أن البحث عن هذه الأمور بدأ مع المعتزلة وأبي الحسن الأشعري قبل الباقلاني بمدة بعيدة . أما